التفتازاني

60

شرح المقاصد

وقوله : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ « 1 » . عتاب على أنه أخفى في نفسه عزيمة تزوج زينب عند تطليق زيد إياها خوفا من طعن المنافقين ، ولا خفاء في أن إخفاء أمر دنيوي خوفا من طعن أعداء الدين ليس من الصغائر ، فضلا عن الكبائر ، بل غايته زلة وترك الأولى . وكذا ميلان القلب لزينب ، وأما مثل قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ « 2 » وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ « 3 » فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ « 4 » لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ « 5 » فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ « 6 » . والجواب : أن الأمر لا يقتضي سابقة تركه ، ولا النهي سابقة فعله ، ولا الشرط وقوع مضمونه ، وبالجملة فمسألة جواز الصغيرة عمدا على الأنبياء في معرض الاجتهاد لا قاطع فيها ، لا نفيا ولا إثباتا . فإن قيل : ما بال زلة الأنبياء حكيت بحيث تقرأ بأعلى الصوت على وجه الزمان ، مع أن اللّه غفار ستار ، وقد أمرنا بالستر على من ارتكب ذنبا ؟ قلنا ليدل على صدق الأنبياء ، وكون ما يبلغون السيئ بأمر من اللّه من غير إخفاء لشيء ، أو ليكون امتحانا للأمم كيف يفعلون بأنبيائهم بعد الاطلاع على زلالتهم ، وليعلموا أن الأنبياء مع جلالة قدرهم ، وكثرة طاعاتهم كيف التجئوا إلى التضرع والاستغفار في أدنى زلة ، وأن الصغيرة ليست مما يقدح في الولاية والإيمان البتة ، أو تقع مكفرة لا محالة ، بحيث لا عتاب عليها ولا عقاب .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب آية رقم 37 . ( 2 ) سورة الأحزاب آية رقم 1 . ( 3 ) سورة الأنعام آية رقم 52 . ( 4 ) سورة البقرة آية رقم 147 . ( 5 ) سورة الزمر آية رقم 65 . ( 6 ) سورة يونس آية رقم 94 .